Tuesday, 18 June 2013

إرهاب فلسفي !

إرهاب فلسفي !


يصحو فجأة ليجد عنقه مكبلا بسلسلة حديدية دون أن يدرك مالذي يجري من حوله. لقد أغلقت عيناه و خيطت جفونه جراحياً! في نهاية السلسلة المقابله  تصحو الضحية الأخرى؛ رجل منهك كبلت عنقه بالطرف الاخر من السلسلة، ولكنه هذه المرة يرى و يدرك الكابوس المرعب من حوله: ضحيتان ملقيتان في أطراف غرفة ما و في وسط السلسلة منشار كهربائي يسحب الطرفين معا نحو حتفهما! يصيح "الأعمى" طالبا من الاخر أن يصف له مالذي يحدث، يحاول الاخر بائسا أن يفعل ذلك، لكنه يعجز فقد خيطت شفتاه جراحيا... معضلة فلسفية  مرعبة! يتخبطان معا حتى يقتل الأقوى الأضعف فيُسحب الى المنشار، وينتهي الامتحان الدارويني وتتوقف الة القتل! و من جديد يتحفنا الابداع الغربي بنوع جديد من الارهاب... "الارهاب الفلسفي"!

كان ذلك مقطعا من فيلم "المنشار 4 " الأمريكي الصنع. وفي فيلم اخر -أكثر مرضاً- يحاول جراح نازي مختل العقل أن يحقق حلمه في أن يصنع دودة بشرية، بأن يقوم جراحياً بربط فم الضحية الاولى بنهاية الجهاز الهضمي للضحية الثانية، و هكذا حتى يخلق دودة بشرية يستعبدها كما يشاء!! فاشية مرعبة! و يتفاخر مخرج الفيلم أن الفكرة ممكنه من الناحية الطبية ! ويتحدى المخرج أن الجزء الثاني من الفيلم سيحتوي صورا مرعبة ستجعل من الأول أضحوكة. و قد صدق. فقد منع فيلمه الثاني من العرض في دول اوروبية كبريطانيا، ولكنه عرض بعد أن وافق على حذف 30 مشهدا. ولك أن تتخيل القدر المرعب من المحتوى الذي يجعل دولة تقدس حرية التعبير على أن تمنع هذا الفيلم من العرض. وفي الحقيقة هذه الثلاثة أفلام ليست سوى أفلام ضعيفة لم ترتقي الى لائحة الأكثر عشرة أفلام مرضا التي تم إنتاجها في تاريخ العالم والتي لا أنصح أبدا بالاطلاع عليها حتى لاتفقد جزءا من ادميتك! و لا أعلم في أي كون نعيش و حولنا أناس يحملون فكرا "إرهابيا" نعجز حتى أن نتصوره. ولا أدري أيضا اذا كان نقاش حرية التعبير والابداع التخيلي في هذه الأمثلة إهانة أم أمرا يجب احترامه.

صورة لإحدى الأفكار المريضة التي تحملها تلك الأفلام

وفي الحقيقة لم يكن هذا احتكارا على العقل الغربي، فالشرق الأقصى و الأفلام اليابانية تعتبر مرجعا منقطع النظير في ذلك. و لا أدري في الواقع اذا كان هذا ارهاباً في عالم الأفلام فقط أم أن له انعكاسا في واقعنا. ففي الفيلم الصيني الشهير "رجال خلف الشمس " يصور الفيلم صورا تشيب لها الولدان عن تجارب الأسلحة البيولوجية التي كانت تقوم بها المختبرات اليابانية على البشر إبان الحرب العالمية الثانية فيما كان يعرف ب"الوحدة 731" في الجيش الياباني. وهذا الفيلم لم يكن إلا توثيقا لبعض هذه الجرائم التي مارسها بعض "علمائهم". ولم تُعرف جرائمهم إلا بعد أن اعترف بعضهم بذلك بعد أن بقي جزء صغير من فطرته الانسانية يأنبه أو ربما يحاول الفرار منه! و المرعب المخزي أن بعض "أطباء التعذيب" لم يعاقبوا، بل منحوا رتبا و وظائف مرموقة في الوزارات –بعد نهاية الحرب- نتيجة للخبرة "العميقة" التي اكتسبوها من وراء تلك التجارب الحقيرة. و قد عرضت الولايات المتحدة الأمريكية الحصانة لبعضهم مقابل تهريب نتائج الأبحاث التي توصلوا لها متجاهلين بذلك أي قيم انسانية، وضاربين بمبدأي العدل و المنطق الانساني عرض الحائط.  ليجعل من السياسة الأمريكية واحدة من أكثر السياسات إرهابا من الناحية الفكرية في وقتنا. وفي جريمة بعيدة عن السياسة، يخطف ويسجن ثلاثة مجرمين في الولايات المتحدة ثلاث فتيات في منزل في حي مكتظ لعشر سنوات في قصة تداولتها وسائل الاعلام  الراقية بعد أن لاذت الفتيات في الفرار ليولدن من جديد! ولك أن تتخيل الاذلال و الاستعباد الجنسي الذي تعرضن لهن والذي قد يكون ملهما من بعض تلك الأدبيات المريضة. ولعل بعض الممارسات السادية الفاشية المهينة التي تعرض لها السجناء في أبو غريب تشابه بشدة تلك التي تظهر في روايات المفكر "الثوري" الفرنسي المختل "ماركيز دي ساد" صاحب الفكر السادي الذي يرى أن المتعة يجب أن تكون محررة تماما من كل القيود و أولها القيد الأخلاقي و الديني والقانوني! وقد حولت بعض رواياته الى أفلام في سبعينيات القرن الماضي باسم حرية التعبير "المستنزفة بقسوة" عند الغرب، ليظهر نوع جديد من التطرف الذي يُبرر باسم الحريات و الذي يتهافت عليه بعض أبناء جلدتنا كمن نوم مغناطيسيا أو سحر.

واذا كانت "أدبيات" الفكر الغربي والشرقي الأقصى تحتوي الكثير من الانحطاط الانساني فإن تاريخهم أيضا مليء بالإرهاب ضد شعوب أخرى كغزو  التتار الى محاكم التفتيش الى الحروب العالمية و المحارق الى يومنا هذا. وليس هذا المقال -في الحقيقة-  يراد به شيطنة الغرب و الشرق الأقصى، بل هو على العكس من ذلك يهدف الى إظهار مدى التباين بين تاريخ هذه الشعوب و الفكر الدموي و السادي الذي يسود في بعض أدبياتهم، وبين حضارة شعوبهم (ولا أقول سياساتهم الخرجية) الانسانية الصادقة في أغلب الأحيان في وقتنا الحاضر، و التي تعطف حتى على الحيوان قبل الانسان. وإذا ما قورن ذلك  بتاريخ و أدبيات الحضارة العربية، فإنه من الممكن الإدعاء أن الفكر والعقل العربي لم يحتوي ذلك الحقد الدموي أو الانحطاط الانساني الأدبي. وقد كانت المذابح في التاريخ العربي تحدث لأسباب سياسية محضة و لم تكن لمجرد التلذذ في التعذيب. و بالمحصلة، تخيل –عزيزي القارئ- مدى عمق قيم الحضارة الانسانية المتأصلة في حضارتنا العربية التي ستثري العالم اذا ما أطلق لها العنان.  

خ.ع.ع        

Monday, 3 June 2013

ربيع حلم

ربيع حلم

هذه القصة مستوحاة من أسطورة إغريقية قديمة تدعى سزيفيوس , عن إشارات القدر المتكررة للإنسان

إنها السادسة و النصف صباحا, يدق منبهه, يستيقظ من نومه, تستيقظ زوجته و يجهز نفسه للعمل و تجهز زوجته الإفطار له, حياته منظمه جدا, يخرج من بيته إلى الشارع منطلقا لعمله, مبكرا عادته, حياته منظمة حد الروتين المتكرر, يحب هو الحياة المنظمة و يكره المفاجآت, اعتاد التفكير في طريقه إلى العمل, يخرج من بيته, السماء تمطر و لكنه لا يتناول مظلته.

باردة ... تزل للأرض بسرعة هائلة تزداد كلما قطعت مسافة أكبر, قطعت مسافة طويلة جدا لأجل هذا السقوط و ها هي بخيلاء كبير, مسرعة جدا و بكل برودة الشتاء ترتطم برأس ذلك الشاب الذي مشى تحت المطر بلا شيء يحميه, جامعا لرأسه كل قطرة مطر ممكنة يشاركها أفكارها و تشاركه دفء رأسه المضمحل, تغسل تعب أفكاره و تستغل رأسه لوهله هذه القطرات ... تنعشها لتبدأ التفكير من جديد ليعود رأسه للنشاط من جديد و لتتحرك أفكاره بطاقة لا منتهية ليعود لرأسه دفؤه و ليجذب قطرات أخرى, ليتجه المطر لرأسه من كل أرجاء السماء كما لو كان المكان الوحيد للماء النقي ليسقط عليه.

خارجا تحت المطر باحثا عن أفكار ليديرها في رأسه بدأ نهاره, ناظرا هنا و هناك, سامعا هذا و ذاك, رابطا بين الشوارع الطويلة بخطوات قصيرة, ناظرا للسماء العظيمة و قد غطتها قطرات صغيرة, حاصرا كل ضوضاء الدنيا في رأسه, متأملا كل حركات الناس بعينه و قلبه, باحثا عن ما لا يعلمه, أصوات الشوارع تحفزه, قطرات الماء الوسخة في الشارع تبلله ترسم اللوحات على بنطاله تخبره بكل ما فيها من حكايات و أخبار, عن تراب أرض أتى به فلاح للمدينة, عن طفل اسقط حلواه على الأرض, عن مدخن لم يجد غير الشارع لينفض سيجارته, عن سكير في أخر الليل اسقط زجاجته ليسكر الشارع معه, عن عكاز عجوز مشى من بداية الشارع إلى مسجد كبير ليؤدي صلاة الفجر وحده حين قلت الخطى, عن فتاة مشت مسرعة لترى ذلك الشاب المسافر و عن دموعها التي انهمرت عليه, و عن أم مشت طويلا و مرارا لأجل أيتامها, و عن أمة كثرت خطاها لأجل الحياة و عن خطاه أيضا كيف كانت و كيف أصبحت, يجمع كم الأفكار في رأسه ليكتب روايته الأولى عن الحياة في راسه بجمال في اول النهار و لا يدري خيره بعد.

 يؤدي الأدوار في كل خطوة, فهو في الأولى ذلك الشاب الذكي الواثق الخطى و في الثانية ذلك المحب القوي عنيد الخطى و في الثالثة هو الكادح المجد لأجل الحياة الذي لا يخجل من العمل لأجل العيش و في الرابعة هو ذلك الباحث بين جمع كبير عن الحرية.

 فعليا و بعيدا عن جمال الافكار السابقة الذكر هو في طريقه لعمله انطلق باكرا في المطر ليصل باكرا قبل الزحام يركب مواصلاته اليومية لأجل عمله, يصل باكرا كعادته, يقوم ببعض الأعمال كعادته, فهو في النهاية و بغض النظر عن كل جمال افكاره موظف عادي, و إذا بمديره يصل, يطلبه و بلا سابق إنذار يوبخه, لا يقول شيئا, يتقدم ناحية مكتب المدير و يلكمه, ينظر إليه المدير بقوة "أنت مفصول أنت مفصول" يلكمه لكمه أخرى و يخرج "لم تشترني براتبك أيها الحقير" يرددها و ينطلق شاعرا بنشوة الحرية, ما أن يخرج من باب عمله و إذا بالأفكار تداهمه, ما الذي فعلته أيها الغبي, لا يعلم كيف وصل للبيت يخبر زوجته بما حدث و إذا بها هي تغضب أيضا, و تبدأ بالصراخ و البكاء اللامبرر ... يصمت الصوت فجأة ... ينتفض من ذلك الكابوس الغريب ينظر إلى ساعته, إنها السادسة , لم يدق منبه نومه بعد, كان كابوسا غريبا فهو لم يفكر يوما بترك عمله, تستيقظ زوجته بجانبه تجهز فطوره و ينطلق إلى العمل .

إنها تمطر في الخارج, الشارع هو نفس الشارع الذي رآه في الحلم و لكن ما العجب فهو يسلكه كل يوم, حتى المواصلات نفسها, يصل كعادته مبكرا إلى عمله كما في الحلم تماما, ينجز عمله و يصل مديره, بعد وهله يطلبه, يستغرب هو مما يحدث, يدخل غرفة مديره و إذا به يوبخه يتقدم مسرعا و يضربه, يعود للبيت ليخبر زوجته فتبدأ بالبكاء, تبدأ الصراخ بصوت مرتفع , "لماذا لماذا" يسألها و لكنها لا تجيب, تصمت فجأة, و إذا بها تيقظه من نومه مرة أخرى عند السادسة, يتجهز لعمله و يخرج إنها تمطر أيضا, و الشارع هو هو بكل تفاصيله اليومية المكتررة, يصل لعمله, ينجز بعض الأعمال, يطلبه مديره, يدخل عليه, يجلس معه و يبدءان نقاشا عن العمل, يطول ... يستفزه مديره حد الغضب, يقف يضربه, و يخرج بكل قوة عائدا إلى بيته, يخبر زوجته و تبدأ بالبكاء... أنه لا ينتظرها أن تبدأ الصراخ و ينفض نفسه ليصحو من ذلك الكابوس الغريب مرة اخرى, يخرج مسرعا دون أن يتجهز لأي شيء يصل قبل الجميع يكتب استقالته و يضعها على مكتب المدير.

لا تنتظر التغير, اصنعه.

ح.ا.ج

Friday, 31 May 2013

نظرة متواضعة في علامات الحضارة

نظرة متواضعة في علامات الحضارة

دعك من التطور التكنولوجي، فهذا يحتاج إلى أموال طائلة، وهو ليس بالضررورة مقياسا دقيقا للحضارة. فهناك دول شارفت على إنتاج القنبلة النووية وغزت الفضاء و لكن شعبها على أوج إحداث انقلاب دموي بسبب الاضطهاد الذي يعانيه. دعك أيضا من العناوين العامة التي يفسرها كلٌ كما يشاء؛ كالمساواة و العدل و الحرية و الديمقراطية. من وجهة نظري، هناك أمور إذا ما  أُخذت  في عين  الاعتبار فإنها قد تجعل قبائل الهنود الحمر أكثر تحضرا من أوروبا بأسرها! وهذه الأمور يستدل عليها بأربعة مؤشرات: تعامل المجتمع مع ذوي الاعاقات، تعامل المجتمع مع الاقليات، تعامل المجتمع مع البيئة، و كيف يحل أفراد المجتمع خلافاتهم. وهذا ما سأحاول توضيحه في هذا المقال.

أولا: تعامل المجتمع مع ذوي الإعاقات:
قد تحتاج الى ساعة من الوقت فقط لتقرأ "ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الاعاقة" و الذي وقعت عليه الكثير من الدول المتحضرة. ولعل أهم مادتين –من وجهة نظري- هما المادة الاولى و المادة 19. فالمادة الاولى تضمن التمتع بحق التساوي التام في الحقوق بين جميع الناس سواء الأشخاص ذوي الاعاقات أو من ليس به إعاقة. وهذا بالطبع يشمل حق التنقل للأعمى و البصير أو المقعد و غير المقعد، وحقه في أن تكون جميع الأماكن و المباني مهيأة لتنقله، وأيضا حقه في العمل و الزواج و ممارسة الرياضة الى غير ذلك من حقوق يتمتع بها الجميع. أما المادة 19 فهي تنص على حق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في الحصول على كل ما يلزم لتأمين الحياة المستقلة التي يستطيعون من خلالها الاستغناء عن الاخرين و الاعتماد على أنفسهم،  والتي تمكنهم من الانخراط التام في المجتمع. لذلك فإنك تجد الأعمى في بريطانيا –على سبيل المثال- يقطع الشوارع التي تسير عليها السيارات و القطارات معتمدا فقط على عصاته و على النقوش البارزة على أرصفة الشوارع، والإشارات الضوئية التي تصدر صفيرا. فالأمر اذا لا يحتاج الى تلك التكنلوجيا. حتى أن وسائل النقل العام كالباصات تحتوي على رافعة ضغيرة ترفع بها الشخص المقعد بضع سنتيمترات حتى يدخل الحافلة و يذهب الى مكانه المخصص داخلها. وقد تجد من يعاني ضعفا شديدا في النظر يعمل في أمور ادارية وبجانبه موظف فقط لمساندته. ومعظم برامج التلفاز تحتوي على ترجمة كتابية لمساعدة الأصم على مشاهدة التلفاز. و بالطبع هناك الدورة الأولمبية لذوي الاحتياجات الخاصة (Paralympics) الكاملة و المبهرة التي تجعل من لا يعاني من أي اعاقة يشعر أنه صاحب إعاقات اذا ما قارن نفسه بهم. وهذه الدول في الحقيقة تستحق الاحترام لأنها بداية أدركت أن هناك أناس من ذوي الاحتياجات الخاصة يعيشون بينهم ولم تغض الطرف عنهم. ولأنها استطاعت أن تدرك أن عدم قدرتنا على إدراجهم في المجتمع كأي فرد اخر هي في الحقيقة إعاقة نمتلكها نحن جميعاّ!

ثانيا: تعامل المجتمع مع الأقليات
يضع الأسقف "ديزموند توتو" الحاصل على جائزة نوبل للسلام و المتعاطف مع قضايانا السياسية تعريفا جميلا للديمقراطية حينما يقول أنها طريقة تعامل الأغلبية مع الأقلية. و ربما يمكن توسيع هذا التعريف ليشمل طريقة تعامل الحزب الحاكم صاحب السلطة مع الأقليات التي لا تملك نفس السلطة.  

أحيانا تشعر هنا -في بريطانيا- أن المسلمين يملكون حقوقا اكثر من تلك التي يملكونها في بلادهم. فلهم الحق في ممارسة شعائرهم الى حد كبير، ولهم الحق بنشر معتقداتهم علنا.  ولكنك تجد في المقابل و في دول أوروبية أخرى "متحضرة" تقنينا لهذه الحقوق حتى في ممارسة أبسط الشعائر مثل: سويسرا، فرنسا، بلجيكا، بضعة مدن في اسبانيا، اضافة الى محاولات من ايطاليا و هولندا لادراج قوانين تقنن بعض هذه الحقوق، و الساخر في الأمر أن هذه التقنينات تكون عادة باسم الدفاع عن الحريات أو باسم العلمانية أو حتى الديمقراطية. و رغم اندماج الكثير من الأقليات العرقية في المجتمع الاوروبي واندراج القوانين التي تجرم اي نوع من أنواع العنصرية العرقية أو الدينية، إلا أنك مازالت تشاهد بين الحينة و الأخرى مظاهر للعنصرية ضد أشخاص من أصول افريقية فقط بسبب لون بشرتهم. وقد ظهر هذا علنا في رياضة كرة القدم البريطانية. و هناك تخاوف من ازدياد ظاهرة ال"زينوفوبيا" ونمو الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل EDL و أحزاب النازيين الجدد، مما أدى منظمة الأمم المتحدة الى اصدار قرار رقم 67/154 الذي يدين أي تمجيد لهذه الأحزاب المتطرفة و يظهر بوضوح قلق تزايد هذه المنظمات في معظم دول اوروبا.  وليس غريبا جدا توقع ذلك في دول ما زالت النظرة الرأسمالية و الاستشراقية متجذرة في سياساتهم و تاريخهم ابتداءا من معاداتهم للسامية، وانتهاء بأحزابهم المتطرفة الشبابية الجديدة. بالطبع من الظلم التعميم فهناك الكثير من الاوروبيين الذين يحاربون هذه الحركات العنصرية بصدق تام، (لا بل يكرسون حياتهم لذلك) ولكن القصد هنا أن المشكله للأسف متجذرة في حضارتهم و لم تٌجتث بشكل كامل بعد.

وفي حضارتنا العربية أمثلة نستطيع أن ندعي من خلالها أننا نسبيا من أفضل الحضارات التي احتوت واحترمت الأقليات و الإثنيات المختلفة. و مازلنا الى حد كبير نتمتع بهذه الميزة ابتداء باستيعابنا الحضارات المختلفة كالفارسية و التركية و الافريقية و إثرائها و الاستفادة منها، مرورا بحضارة الأندلس وصولا الى احتضاننا المهاجرين اليهود الذين اضطٌهدوا في أوروبا فلجؤوا الينا و تعايشنا معهم تحت حكمنا الى يومنا هذا (باعترافهم) في الدول العربية (بما في ذلك فلسطين قبل احتلالها)، و اندماج العرب مع الأعراق الإفريقية دون وجود أي نظرة فوقية في معظم الدول العربية. وعلينا بالطبع أن ندحض النزعات الطبقية و القومية و السياسية التي بدأت تظهر في الساحة العربية بسبب نزاعات الشرق الأوسط وتهذيب الأصوات التي تظهر نزعة تكبرية لأن أحدنا ينتمي الى قبيلة عريقة النسل أو لأنه من أرض ثرية أو لأن هذه الأرض تقع على الجانب الشرقي أو الغربي أو لأن بعضنا يحمل فكرا مخالفا للاخر. ولكننا ومع كل ذلك يمكننا القول أننا أفضل –نسبيا- من الدول الغربية من هذه الناحية و ربما أكثر تحضرا و هذا يبعث على الأمل و التفاخر.

أما من ناحية تعاملنا مع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، فاننا بالطبع نبعُد بسنين ضوئية! و في الحقيقة لا يوجد لدينا سوى الرابط الأخلاقي أو الديني الذي يذكرنا بالاهتمام بهم. ولذلك يجب على النشطاء الاجتماعيين القيام بمبادرات لتوعية ذوي الاحتياجات الخاصة على حقوقهم و حث الحكومات على إدراج القوانين اللازمة و إدراجها في شروط البناء و العمل و التنقل و جميع الخدمات الأخرى التي من شأنها أن تعطي ذوي الاعاقة القدرة على العيش بشكل مستقل و توفير الفرص –التي هي أصلا من حقهم- لأن يكونوا عناصر فعالين في المجتمع بدلا من ان يُنظر اليهم على أنهم غير ذلك.

يتبع.. 
                                                                                                                  خ.ع.ع

Friday, 12 April 2013

الجامعة.... الصدمة الثقافية الثانية!

الجامعة.... الصدمة الثقافية الثانية!


تدخل امرأة عجوز تبدو في السبعين من عمرها إحدى قاعات المحاضرات أثناء إلقاء محاضرة في كلية الفيزياء. تمشي مستندةً على عصا لتجلس في الصف الأول. يبدو أنها تائهة، أو ربما تبحث عن حفيدها بيننا. ينظر إليها المحاضر ويبتسم لها ابتسامة المرحب. ربما كان المحاضر هو ابنها الذي تبحث عنه. يعم فضول الطلاب ارجاء المكان. ليس من المستغرب أن ترى كبار السن هنا يمضون وقتهم في حضور الندوات الثقافية أو حتى العلمية، ولكن هذه المحاضرة متقدمة. لا شك أنها أتت لتشجيع ابنها. وبالفعل ماهي إلا دقائق حتى توقف المحاضر ليعرف بهذه السيدة العجوز: "البروفسور جليان، تكرمت علينا ببضع دقائق لتحدثنا عن مجموعه الأبحاث التي تقوم بها. برفسور جفن، هلا بدأت؟".  صاعقةٌ ثقافية جديدة تهز المكان!! انها تتكلم عن دوران الالكترون لكن ليس حول النواة، بل حول نفسه على مايبدو، أمرٌ يعرف بالelectron spin  هو ليس دورانا كلاسيكيا، هو ليس دورانا أصلا.  أمرعجيب! انها باحثة في ميكانيكا الكم. بدأت تكتب بعض المعادلات التكاملية المعقدة... تبدأ بحلها و شرحها! انه أمر مبهر. يفاجئني المجتمع الغربي، ان هذا المجتمع يستحق الاحترام... 




 بروفسور"جليان غيهرينغ"

ينادي الطالب استاذه هنا باسمه الأول دون حتى ذكر لقب "دكتور". حتى ولو كان هو مؤلف الكتاب العلمي الذي يدرًس في الجامعة وغيرها من جامعات العالم. الصدمة، أن "الدكتور" لا يشعر بأي نوع من الاهانة فثقته وتواضعه بنفسه، وعلمه وإنجازاته العلمية  كافيةٌ لأن ترفعه في أعين الجميع دون حاجةٍ إلى ألقاب تملقية. يَعونَ هنا أن العلم ليس حكراً على أحد وأن أسطورتك كعالم تخلد فقط إذا استطعت أن تنقل علمك إلى تلاميذك، فلا فائدة منها إن بقيت في عقلك خفية أن "يسرقها" طلابك. لذلك يُشجع الطالب على طرح أكبر عدد من الأسئلة العلمية حتى وإن كانت دون المستوى أو كانت معقدة، فليس غريبا ان يعتذر الاستاذ لعدم معرفته الإجابة..... الانسان هنا يقدر ويحترم على مقدار علمه قبل حسابه البنكي. العالِم هنا له قيمةٌ مختلفة.

الأفكار العلمية تستثمر في كل لحظة. معظم البحوث العلمية تُدعم من الشركات الصناعية أو من الحكومة ويعكف الطلاب محاولين حل جزء من مشكلة اقتصادية أو تكنولوجية تواجه المدينة أو الشركة. وبهذا  فإن البعد بين العلم  والحياة العملية يتضاءل. وتُستثمر النخبة العلمية في إيجاد حلول علميه تهدف إلى النهوض بالبلد. ولا حاجة إذاً لشراء حلولٍ خارجية. و في النتيجة تصبح الدولة ممتلكةً لخبرة عظيمةً في ذلك المجال لتقلب مشكلاتها إلى ميزات! الجامعات هنا كالطاقة المتجددة.

وليس دورالجامعة أكاديميا فقط، فماذا إذا استوحى أحد الطلبة فكرة مشروعٍ تجاري صغير ما وهو يسير في سوق المدينة؟ كشك  صغير بفكرة ما؟ مطعم صغير؟ فكرة بسيطة وغير تقليديه؟ أجل، يوجد قسم  خاص يقدم الدعم المادي وورشات العمل ونصائح الخبراء.. وكل ذلك مجاناً ودون أن يشاركك أحدٌ في أرباحك. ربما توجد هذه في بعض الجامعات، لكن تذكر أننا نعطي نموذجاً عن أسلوب التفكير الذي نفتقره لسببٍ ما في بلادنا.


كانت هذه المشاهد كلها تدور في ذهني وأنا أقارن أوضاع الجامعات عندنا في الدول العربية. لماذا لا تستثمر هذه الطاقات في بلادنا؟ ألا يسافر وزراؤنا الى الدول المتقدمة؟ ألا يرون ما أراه؟  هل انا أول الواصلين هنا؟! لماذا لا تستثمر مشاريع و بحوث التخرج لحل المشاكل التي يواجهها السكان؟ فمثلا اذا ما تعاني احدى الدول من نقص في موارد المياه، فلماذا لا تتركز الأبحاث العلمية في معظم جامعات تلك الدولة  لابتكار طرق لاسترشاد استهلاك المياه أو اعادة تدويرها؟ ولماذا لا تستثمر مشاريع التخرج اصلا؟ كل مشروع هندسي يستكمل من مئات الطلاب في الجامعة الواحدة هو نواة لمشروع تجاري. فاذا نجحت عُشر هذه المشاريع فهذا انجاز بذاته. كل هذا التفكير  لا يحتاج الى عبقرية، بل يحتاج الى القليل من التأمل.
 
علينا ان نتعلم الكثير من هذه الحضاره العريقة و هذا المجتمع المتقدم. الشعب هنا يقدس العلم. العلم هو ما ينظم حياتهم و يضع قوانينهم، و الجميع هنا تحت القانون. انني ازداد اقتناعا يوما بعد يوم أننا كمجتمعات عربية ليس لدينا ما نقدمه أمام هذا الكم من الانجازات، اننا بالفعل عبء على الانسانية ككل. ليس لدينا شيء نعطيه سوى النفط الذي لم نمتلكه أساسا، و الذي قارب على النفاذ أصلا.

 بقيت تحت تأثير هذه الاسئله و التأملات المحبطة طيلة فترة أيام الدوام الجامعي حتى وصلنا إلى عطلة نهاية الاسبوع. أردت حينها أن أخرج ليلاً برفقة بعض الأصحاب إلى وسط المدينة للاستمتاع بجلسه راقيةٍ في هذه المدينة المتقدمة و لأختلط أكثر مع هذا الشعب المتحضر... و عندها ظهرت صدمة من نوع اخر. يبدو أن الصورة التي كونتها عن ذلك الرقي قد بدأت فجأة بالتذبذب! جميع الأماكن مغلقة الا ال"pubs" و ال"night clubs" صراخ هنا وهناك... ضحكات تشق هدوء الليل، أجساد تترنح، نساء في الخمسينات يرتدين ما ترتديه المراهقات! رائحة الكحول في كل مكان في الشارع، مجموعة صغيرة من الشباب والشابات في لباس أنيق يخرجون من احدى "night clubs" الراقية، ترتمي احدى الشابات على الرصيف وتفرغ ما في بطنها  على طرف الشارع، يبدو أنها شربت كثيرا! نتجاوزها ونمشي على الطرف الاخر. أناس كثر وضجة تزداد وكأنه منتصف النهار. نسير قليلا، رجل يترنح ثم ينام على الأرض ويبدأ بالبكاء. الشرطة تسير بهدوء بين الناس لا يتدخلون الا اذا حصل شجار. مالذي يحصل؟ هل أنا في نفس الزمن ام عدت الى العصور الوسطى؟! احدى الشباب عاري الصدر يحمل فتاة على كتفه و يركض بها وهي تضحك و تصرخ وهو يضحك ويصرخ ايضا. انتقلنا الى شارع اخر، أصوات الموسيقى الصاخبة  تخرج من احدى ال" night clubs " ، على بضع أمتار إثنان من رجال الاسعافات الأولية بالقرب من رجل ملقى على الأرض يحاولون ايقاظه، يبدو أنه فقد وعيه من السكر. لا أفهم ما يحدث، أين ذهبت العقول؟ ماذا عن الرقي الحضاري ؟ ألتفت الى صديقي الذي كان يسير بكل هدوء، ينظر الي مبتسما بسخرية و يقول: "أهلا بك في بريطانيا... بلد الحريات!".
يتبع...
خ.ع.ع 

Saturday, 30 March 2013

تحررنا قد ينتهي باستعمارنا !



تحررنا قد ينتهي باستعمارنا !


يعاني بعض الأشخاص من شهوةٍ غريبة، وتكمن هذه الشهوة في الرغبة في سرقه سلع صغيرة لمجرد السرقة. ويشعر هذا الشخص بلذه إذا ما انقاد لهذه الشهوه. وعلى الرغم من أن الطب يعترف بأن هذه حالة مرضيه (تعرف بكلبتمانية)  و رغم أن الشخص لم يختر أصلا أن يكون كذلك، إلا أن هذا لا يعفي السارق من المحاكمة والسجن. فالعقوبة تأتي على حدوث الفعل وليس على الشهوة.  و في حالة أخرى متطرفة جدا لكن موجودة في العالم و يسلط الضوء عليها بشدة في المجتمعات الغربية، نجد أن هناك أقلية من الرجال الذين يعانون من نوع من الشذوذ الجنسي الذي يدفعهم الى الرغبة في ممارسة الجنس مع قاصرين أو أطفال من كلا الجنسين. ولعل المقال الجريء في صحيفة الغارديان تحت عنوان "Pedophilia: bringing dark desires to light" الذي اثار جدلا عند كل من له غيرة على ادميته يلمح الا أننا في الحقيقة قد نحتاج الى اعادة حساباتنا في نظرتنا الى أصحاب هذه الشهوات الشاذة، اذ أنه لا يوجد اجماع اكاديمي على أن ممارسة "الجنس الاختياري" من بالغين مع الأطفال (قبل البلوغ) له اثار سلبية أو ان له مضار! وأن وجود هذه الشهوة هو أمر غير اختياري عند الشاذ بسبب وجود اختلافات عصبية في بعض أجزاء الدماغ (المادة البيضاء) كما تلمح بعض الدراسات العلمية.

و مع وجود هذه التبريرات العلمية، الا أننا على أغلبنا في العالم لا نقبل في التفكير في المناداة باعطاء حق الاعفاء من السرقة أو منح الحرية الجنسية لمن يعانون من "انجذاب-للقاصرين" كما تسميهم بعض الجماعات شديدة التحرر وذلك لأننا نشعر أن هناك خللا ما في هذا الطلب، أو ربما لأن فلاسفة الغرب وسياسيهم لم يبثوا أفكارا مغايرة لأفكارنا في هذا الموضوع (على الأقل حتى الان).

ولكن لأسباب عدة، بدأت نظرة جزء من "مثقفي" الشباب العربي  بتقبل ظاهرة الشذوذ الجنسي المثلي في المجتمع كأمر عادي غير شاذ. لابل تجدهم يتعاطفون مع قضيتهم في طلبهم لحقوق الزواج المثلي  و التبني وارغام الناس غلى احترام ميول المثليين التي لم يكن لهم امر في اختيارها. وانتشرت في الاونة الأخيرة الكثير من النشاطات في الوطن العربي على شبكات التواصل الاجتماعي، و بدأت المجلات الاكترونية العربية الخاصة للمثليين بالصدور و الانتشار في ما أصبح يعرف ب"المثليين العرب"، وأيدهم في حملتهم بعض المتعاطفين الغير شاذين المحسوبين من "المثقفين" من الشباب العربي المتحرر(1). وليس غريبا أن يكون معظم هؤلاء الشباب العربي ممن درس أو عاش جزءا من حياته في البلاد الغربية وتشرب من شبهاتها الاخلاقية التي تضع الاساس العلمي الملموس مقياسا لها، وبالتالي تنظر الى الانسان من ناحية مادية فقط. و لا نلوم العلم الحسي ولا نحمله فوق قدراته فقدراته التفسيرية تنتهي عند انتهاء المادة. وليس من الضروري أن يكون الشاب قد انتقل الى الغرب بجسده، فالمنظومة الأخلاقية تلقن الينا عن طريق الأفلام و المسلسلات الغربية ابتداء من مسلسل "فرندز" الذي تقبلنا – فيه بشكل غير مباشر- و ضحكنا كلنا فيه على زوجة "روس" لأنها مثلية، وانتهاء بالمسلسل الأمريكي الجديد الذي يروي قصة رجليين مثليين يريدان أن ينجبا ولدا من امرأة ما (بالطبع فقط على أحدهما ان يحقن سائله المنوي في رحم امرأة متبرعة ولا يستطيع الاثنان فعل ذلك أو المشاركة بسائليهما، لتظهر معضلة اخرى في فلسفتهم التحررية). وهذا المسلسل يحمل اسما جدليا، وهو "The New Normal" أي انهم يريدون تطبيع و تغيير ما هو عادي بأمر عادي جديد و بشكل علني! ورغم أن نسبة الشاذين المثليين تقدر ب 1-2% في المملكة المتحدة (من أكثر البلاد تحررا وتقبلا لهذه الظاهرة) الا أنك تكاد لا تجد أي مسلسل أمريكي أو بريطاني يخلو من شخصية شاذة تتطلب تعاطف المشاهد مما يؤشر على وجود استهداف لنشر هذه المبادئ. كما توجود منظمات غير ربحية في جميع أنحاء العالم (مثل "ILGA") تعمل على دراسة أحوال المثليين في الوطن العربي والعالم و تعمل على دعم مطالبهم.

و ليست هذه الجهود المبذولة في نشر المباديء الغربية و تطبيع منظومتنا الاخلاقية العربية هي نظرية مؤامرة كما قد يخطر على بال القارئ، بل يمكن ان ينظر اليها على انها توجهات امبريالية استعمارية غربية تريد أن تفرض نظرتها الأخلاقية "المستنيرة" التي توصلت اليها الدول الغربية المتقدمة على دول و شعوب العالم الثالث القاصر الذي لا يستطيع أن يختار ما يناسبه ولا أن يفكر لنفسه، لذلك يجب على رجل العرق الأبيض "White Man" أن يعلمنا كيف يجب أن نتعامل مع بعضنا و كيف نكون أخلاقيين بحق، حتى وان لم يكن هذا جزءا من ثقافتنا! ولعل د.جوزيف مسعد من جامعة كولومبيا استطاع أن يقدم بحثأ اكاديميا متميزا وصادما في ورقته العلمية "Re-orienting Desires: The Gay International and The Arab World" 
التي نبه فيها الى هذه النظرة الاستشراقية استكمالا لمدرسة الراحل ادوارد سعيد الذي كان استاذه. و لاشك أن هذه الاجندة تجد ترية خصبة عند الضعفاء ثقافيا من أبناء جلدتنا الذين يأخذون كل ما يردنا من الغرب دون فلترة ذكية. وليست هذه الفلترة بالأمر السهل في حقيقة الأمر خاصة عندما نكون من دول العالم الثالث المستهلك الذي لم يعد له انتاجه الفكري و الاقتصادي المستقل.

لم ينكر العقلاء في مجتمعنا و جود أشخاص بشهوات شاذة، وعلى الرغم من ورود هذه الشهوات في الأدبيات العربية خلال معظم العصور، الا أنها لم تكن متقبلة يوما في مجتمعاتنا ابتداء من العصر الجاهلي الى الاسلامي حتى الاستعماري. بل كانت الأدبيات الاسلامية –على سبيل المثال- تعترف بوجود مثل هذه الشهوات و تطالب من يمتلكها بعدم الانقياد اليها وتتعاطف مع جهوده في هذا السياق فهي تعتبره بالطبع جزءا من هذا المجتمع(2). واذا كانت هذه الشهوات أمرا عارضا أو اكتسابيا من التربية و المجتمح  يمكن الشفاء منه أم كانت أمرا غير اختياري يولد الانسان به، يبقى الحكم على فعل الأمر لا على الشهوة بذاتها، و تبقى أصل المشكلة جدلا علميا يحتمل الاحتمالين ولكن  يسوق أحدهما فوق الاخر وفقا للأجندة السياسبة والأخلاقية التي تمتلكها القوى العظمى.     
         
خ.ع
 ________________________________________

 (1): ظهرت المجلات الالكترونية في الأردن، مصر، لبنان و المغرب العربي.
 (2): راجع مصطلح "المأبون" و "المردان".